ابن كثير
145
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يا ناظرا يرنو بعيني راقد * ومشاهدا للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي * درج « 1 » الجنان ونيل فوز العابد أنسيت ربك حين أخرج آدما « 2 » * منها إلى الدنيا بذنب واحد وقال ابن القاسم : ولكننا سبي العدو فهل ترى * نعود إلى أوطاننا ونسلم قال الرازي عن فتح الموصلي أنه قال : كنا قوما من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا ، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها « 3 » . فإن قيل : فإذا كانت جنة آدم التي أخرج منها في السماء كما يقوله الجمهور من العلماء ، فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة ، وقد طرد من هنالك طردا قدريا ، والقدري لا يخالف ولا يمانع ؟ فالجواب : أن هذا بعينه استدل به من يقول : إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء ، كما قد بسطنا هذا في أول كتابنا البداية والنهاية ، وأجاب الجمهور بأجوبة ، أحدها : أنه منع من دخول الجنة مكرما ، فأما على وجه السرقة والإهانة ، فلا يمتنع ، ولهذا قال بعضهم : كما جاء في التوراة أنه دخل في فم الحية إلى الجنة . وقد قال بعضهم : يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة . وقال بعضهم : يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض ، وهما في السماء ، ذكرها الزمخشري وغيره . وقد أورد القرطبي هاهنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك ، فأجاد وأفاد « 4 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 37 ] فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) قيل إن هذه الكلمات مفسرة بقوله تعالى : قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 23 ] وروي هذا عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وخالد بن معدان وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم « 5 » . وقال أبو إسحاق السبيعي عن رجل من بني تميم قال : أتيت ابن عباس فسألته ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه ؟ قال : علم شأن الحج . وقال سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع ، أخبرني من سمع عبيد بن عمير ، وفي رواية قال : أخبرني مجاهد عن عبيد بن عمير ، أنه قال : قال آدم : يا رب خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني أو
--> ( 1 ) في الرازي : « درك » . ( 2 ) في الرازي « أنسيت أن اللّه أخرجه آدما » . ( 3 ) انتهى نقل ابن كثير عن الرازي . ( 4 ) انظر تفسير القرطبي 1 / 313 - 319 . ( 5 ) وفي الدر المنثور ( 1 / 117 - 118 ) آثار بهذا المعنى عن ابن عباس ، علاوة عما ورد عن الحسن والضحاك ومحمد بن كعب القرظي ومجاهد وقتادة .